السيد محمد تقي المدرسي

118

المجتمع الإسلامي (منطلقاته وأهدافه)

توجيه الانسان الفرد ومن ثم المجتمع . ولم يعد العلم اليوم يعترف بالمذاهب الجامدة التي تركز نظرها في واحد من العوامل وتعتقد انه العامل الوحي ، كالنظرية الماركسية التي ترى ان الاقتصاد هو المحرك الوحيد في التاريخ ، أو الفرويدية التي تعتقد بان العقد والحالات النفسية هي العامل الوحيد ، أو البعض الذين يرون ا الأثر الحاسم هو للجغرافيا . ان العلم اليوم يعترف بكل العوامل ، وقد وصل مرحلة من النضج العقلي حتى اخذ يتواضع لكل المذاهب ويستوحي منها الافكار والمعلومات الصحيحة دون تطرف أو تحيز . ولكن ثمة عقبة كأداء لا تزلا امام علماء الاجتماع لابد ان يبحثوا طويلا حتى يتجاوزونها ، وهي معرفة نسبة تأثير هذا العامل أو ذاك في صناعة المجتمع . فهذه العوامل ليست مؤثرة تأثيرا متساويا لامن حيث ذاتها ولا من حيث افرادها . فمن ناحية ذاتها نجد ان عامل الاقتصاد أقوى تأثيرا من عامل الجغرافيا . فمثلا : الجزيرة العربية لها جغرافيا معينة وانواء خاصة كالحر الشديد صيفا والبرد القارض شتاءا ، وكذلك بهبوب الرياح الشديدة ، وبالرطوبة القاسية على شواطئ البحار . هذه الأجواء تؤثر في بناء شخصية مجتمع الجزيرة ، فيصبح مجتمعا عنيفا متحديا يعيش في كل الواحات والمدن الصغيرة . ولكن حينما تفجر البترول في ارض الجزيرة ، وتغيرت حالة المعيشة ، تغيرت تبعا لذلك علاقة الانسان بالطبيعة . فبينما كان الانسان سابقا محكوما بالطبيعة ، أصبح - بفضل البترول - مسيطرا بقدر ما . ولهذا السبب نجد ان انسان الجزيرة قد تغير تغيرا كبيرا . فبينما كان في السابق يمتطي الجمل الذي يعتبره سفينة الصحراء ، تراه اليوم يركب احدث السيارات والطائرات ، ويتحرك عبر طرق ( اوتوستراد ) المعبدة . فمثلا اختيار أبناء هذا المجتمع للألوان ، نجد قبل ثلاثين عاما كيف انه كان يختار ألوانا شديدة وصارخة . اما الان فهو لا يختار الا الألوان الهادئة ، وهذا دليل على أن النفسية الشديدة والعنيفة التي كان يواجه بها الطبيعة ، قد تغيرت بفضل البترودلار وأصبحت نفسية أكثر هدوءا وقربا إلى الطبيعة .